-----------

الباحثون عن الله...

{ د. نور الدين أبو لحية }

الباحثون عن الله...

في  لحظات مؤلمة لم يمرّ عليَّ مثلها في حياتي، سمعت بعض أهل البيت يردّد بصوت مرتفع (اللّه!!)، يقولها متعجباً أو مستحسناً كما اعتدنا أن نقولها، دون أن نشعر بها أو نلتفت إليها.

لكنّني في تلك اللحظة شعرت بها شعوراً لم أشعر بمثله في حياتي...

رحت أبحث عن تلك الكلمة، وعلى من تُطلق.. فكدت أسقط..

إنّ (اللّه) هو اسم صاحب الوجود الحقيقيّ في هذا الكون... وما عداه ليس إلا ظلالاً أو آثاراً أو مظاهرَ، ليس لها هدف إلا الدلالة عليه والتعريف به... 

(اللّه) هو اسم أكبر غنيّ في الوجود.. هو اسم من يملك الكون جميعاً؛ بأرضه وشمسه وأقماره ونجومه ومجرّاته وأفلاكه الواسعة، ما نراه منها وما لا نراه...

(اللّه) هو اسم القادر على كلّ شيء

(اللّه) هو اسم العليم بكلّ شيء... الذي لا محلَّ عنده للجهل... يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون...

يعلم أسرار الحياة والموت... وأسرار السعادة والشقاء... وأسرار الصحّة والمرض... وأسرار الوجود والمصير....

 (اللّه) هو اسم الحيّ السميع البصير المتكلّم... الذي له من القدرات الذاتيّة ما لا تطيق العقول والأوهام تخيّله.

 (اللّه) هو اسم القدوس الذي لا يطال ساحته الموت ولا المرض ولا المكان ولا الزمان... فهو الغنيّ بذاته عن كلّ شيء...

 (اللّه) هو اسم القيّوم الذي لا قيام لوجودنا ولا لحياتنا ولا لوجود كلّ شيء وحياته إلّا به...

(اللّه) هو اسم الرحيم الرحمن الذي ملأ الكون بمظاهر رحمته...

 (اللّه) هو اسم الودود الذي تودّد لكلّ شيء.. وتودّد إليه كلّ شيء... وهو اسم الحنّان الذي حنّ على كلّ شيء..

وهو اسم البديع الجميل الذي ملأ الكون إبداعاً وجمالاً.

وهو اسم السلام الذي لا يرف الصراع...

هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولـم يكن له كفواً أحد...

***

بقيت لحظات طويلة وأنا واقف في مكاني أحاول أن أختصر في ذهني المعاني العظيمة الجليلة التي يحملها اسم (اللّه).. إلى أن كدت أغيب عن بيتي وعن نفسي وعن الكون جميعاً..

في تلك اللحظات قلت لنفسي: أليس من الهمّة الدنية أن ترغبي عن صحبة الملك الجليل..

أليس من الهوان أن تصحبي العجزة والجهلة... وأنت قادرة على صحبة القادر العليم...

فقالت لي نفسي، وكأنها تسخر مني: من أنت، وصحبة الملك الجليل الذي تنقطع العقول والقلوب دونه؟

ألا تستحي من نفسك؟

قاطعتها، وأنا ممتلئ بالألم، قائلاً: كفي عنّي أيتها النفس.. فلطالما كدّرتِ سعادتي.. أنا إن لم أصحبه، فمن أصحب.. وإن لم أبحث عنه فعلى من أبحث.. أليس من الدناءة أن أتركه لغيره؟.. أليس من الغبن أن أربح كلّ شيء، ثم أخسره؟...

قاطعتني نفسي الأمّارة بالسوء.. وقالت: وأنا.. لمن تتركني.. إن انشغلت عني به.. فمن يشتغل بمطالبي؟

رفعت يدي، وكأنّي أريد أن أبطش بشيء... لكنّي لم أجد سواي... فارتخت يدي...

لم أجد بعدها إلا أن أسير إلى ذلك الضيف الغريب الممتلئ بأنوار القداسة، والذي لم أعرف إلى ذلك الحين من أين جاء، ولا أين يقصد...

اقتربت من غرفته  سمعته يردّد بصوت خاشع ما ورد في الآثار القدسيّة من حديث اللّه لعباده:

عبدي.. متى جئتني قَبِلْتُك..

إن أتيتني ليلاً قَبِلْتُك.. وإن أتيتني نهاراً قَبِلْتُك.

إن تقربّت منّي شبراً تقرّبت منك ذراعاً... وإن تقرّبت منّي ذراعاً تقرّبت منك باعاً... وإن مشيت إليّ، هرولت إليك.

لا تحجبك الخطايا عنّي، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك.

من أقبل إليَّ تلقّيته من بعيد، ومن أعرض عنّي ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرّف بحولي وقوّتي ألنتُ له الحديد.

أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهّرهم من المعايب.

من آثرني على سواي آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشر أمثالها... والسيئة عندي بواحدة

رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي

 أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها...

***

لست أدري كيف دخلت عليه، وأنا ممتلئ فرحاً وسعادةً بعد أن سمعت منه هذا الحديث الربّاني الجميل.

دخلت، وأنا أردّد بصوت مرتفع ممتلئ فخراً وزهواً: لكأن اللّه يخاطبني بهذا... أنا العبد الضعيف.. لقد كانت نفسي تثبطني عن السلوك إليه وطلبه...

التفت إليّ الشيخ الصالح مبتسماً، وقال: النفس هي الحجاب الأكبر الذي يحول بينك وبين ربّك...

قلت: ولكني لست سوى نفسي.. فكيف أصفعها صفعة تعيد إليها وعيها؟

قال: عندما تنشغل به عنها ستنشغل عنك

قلت: لكنها لا تحول بيني وبينه فقط.. بل إنها تسرب إليَّ من الأوهام ما تنهدُّ الجبال دون سماعه.

قال: ذلك سلاحٌ من أسلحتها.. فهي إن لم تطق أن تشغلك عنه.. شغلتك بالأوهام والشبهات التي تحول بينك وبينه.

قلت: فأين المصير؟

قال: إليه...

قلت: ولكني أخاف أن يكون مصيري إلى الآلهة التي تصنعها الأوهام...

قال: لقد جعل ربك للحقائق علامات وشروطاً وقوانين يستحيل أن تتخلّف..

قلت: أيّ قوانين؟

قال: خلق اللّه لنا العقول.. وبرمجها لإدراك الحقائق.. فمن سار على ضوئها يستحيل أن يصل إلا إلى الحقائق.

قلت: أليس للبشر جميعاً عقول يفكرون بها؟

قال: بلى..

قلت: فلم يختلفون إذن؟

قال: لأنّ فيهم من يغلب عقله... وفيهم من يغلب هواه... وفيهم من يمزج عقله بهواه... وفيهم من يسخّر عقله لهواه.

قلت: فكيف نميّز بين ما يقوله العقل، وما يقوله الهوى؟

قال: جعل اللّه في قدرة العقول هذا التمييز.

قلت: لا يزال عقلي كليلاً دون إدراك صدق ما تقول.

قال: أرأيت لو أنّ رجلاً من الناس زعم لك استحالة تحوّل الماء إلى بخار... كيف تخلّصه من هذا الوهم؟

قلت: ما أسهل ذلك... سأحضر ناراً وماءً.. فما تلبث النار حتى تتغلّب على الماء، وتحوّله إلى بخار... وحينها سيتبخّر وهمه.

قال: فهكذا من سرّب إليك وهمه.. أحضر له ما يتبخّر به وهمه.

قلت: إنّ الأمر مختلف تماماً.. ذلك ماء ونار.. وكلاهما تدركه حواسي.. لكن الحقائق التي نتحدث عنها تختلف تماماً.

قال: هي تختلف من حيث الصورة فقط... لكنها في الحقيقة لا تختلف... لقد جعل اللّه لكلّ حقيقة السلّم الذي يصعد إليها به.. والباب الذي يدخل إليها منه.

قلت: ما دام الأمر بهذه البساطة... فلم كانت قضيّة معرفة اللّه أعقد قضيّة في هذا الوجود؟

قال: لأنّ النفس هي أكبر حجاب بين الإنسان وبين ربّه.. فإن لم تطق أن تملأ القلوب والعقول غفلة أسرعت فملأتها أوهاماً.

قلت: لم تسرع إليّ الأوهام؟

قال: لتُعبد التفس من خلالها.. فالنفس في طغيانها لا تردِّد إلا ما ردّد فرعون عندما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}  (النازعـات: من الآية: 24)...

قلت: أكلّ أولئك الذين لم يعبدوا اللّه كانوا يعبدون أنفسهم؟

قال: نعم... كل من لم يعبد اللّه لا بدّ أن يقع في عبادة هواه...

قلت: كيف يكون التحرّي في معرفة اللّه؟

قال: مثل التحرّي بين الأطباء... فهناك (اللّه) الحقيقي.. الذي خلق هذا الكون ودبّره.. وهناك آلهة كثيرة مزيفة أنشأتها النفوس المدنّسة...

قلت: وما أدرانا أن يكون (اللّه) الحقيقي بين هذه الآلهة   المزيفة.. ألا يمكن أن لا يكون لأيّ أحد من الناس الحقيقة المرتبطة بهذا؟

قال: ذلك مستحيل.. فاللّه الذي خلق هذا الكون ودبّره... بل دبّر أبسط ذراته يستحيل أن يترك هذا الكون من غير أن يعرفه بنفسه.

قلت: فكيف نصل إلى تلك المعرفة؟

الإجابة في الحلقة الثانية (الباحثون عن الله...2)