-----------

  البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ملف العدد : الحجاب يصون المرأة ويرفعها

الباحث :  غسان الأسعد
اسم المجلة :  مع الشباب
العدد :  9
السنة :  السنة الثانية - ربيع2020م / 1441هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 18 / 2020
عدد زيارات البحث :  72
قلّةٌ من يشكَّ بضرورة التربية ولزومها؛ لأنّه مع قليلٍ من التفكّر يتّضح أنّ سعادة الإنسان رهن لهذه التربية، فبإمكان التربية الدينيّة أن تجعل علاقة المخلوق بالخالق أكثر متانةً واستحكامًا، وأن توصله إلى تحمّل المسؤوليّة، والالتزام بالتكاليف الإلهيّة المُلقاة على عاتقه. ويكفي أن نعرف أنّ الدافع من بعثة الأنبياء(عليهم السلام) يقوم أساسًا على هذا الهدف نفسه، لتتّضح أهمّيّة التربية. ويتناول القرآن الكريم في جملةٍ من الآيات مسألة التربية الدينيّة للأبناء بشكل صريح، حيث يقول عزّ وجلّ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ...) (سورة التحريم، الآية6).
وقد أكّد أولياء الإسلام ـ أيضًا ـ وأوصوا بنحوٍ عامّ على أهمّيّة التربية، وبنحوٍ خاصّ على تربية الأبناء. روي عن رسول الله أنّه قال: «أدِّبوا أولادكم على ثلاثِ خِصال: حبِّ نبيِّكُم، وحبِّ أهل بيته، وقراءة القرآن»[1]. وروي عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «من تأدّب بأدب الله أدّاه إلى الفلاح الدائم»[2]. فالمهمّ إذن أن يكون الأدب والتأدّب على ضوء ما يريده الله تعالى ويرضاه.

تنوّع الوظائف الأسريّة:
تكثر الوظائف الملقاة على عاتق الأسرة؛ وتعمل الأسر جادّة للمحافظة على هذه الوظائف بقدر ما تملك من مهارات ومعرفة تربويّة وثقافيّة واجتماعيّة.
ففي الوقت الذي تحرص الأسرة فيه على الوظيفة البيولوجيّة؛ وفي مقدّمها الإنجاب، وإنتاج جيل خالٍ من الأمراض والمشاكل الوراثيّة، والرعاية الجسديّة والصحيّة، فإنّها تهتمّ ـ أيضًا ـ بباقي الوظائف. وتعمل في الوظيفة النفسيّة على توفير الإحساس بالأمان والاستقرار لدى أفرادها، وزيادة شعورهم بالحبّ، والحنان، والسلام والراحة النفسيّة، من خلال العيش دون أيّ خطر أو قلق يهدّد حياتهم...
وتنطلق من الوظيفة الاقتصاديّة في توفير الاحتياجات المادّيّة كافّة؛ من المأكل والملبس، وتربية الأبناء على ثقافة التدبير المعيشيّ والاقتصاديّ... وتعمل على بناء الوظيفة العقليّة عن طريق الحرص على تعليم أفراد الأسرة، وتطوير مهارات الإبداع وطرق التفكير لديهم، ووضع معايير متنوّعة  لتعزيز الثقة في ما بينهم.
وتخصّص الأسرة عناية خاصّة للوظيفة التربويّة؛ فتقوم بتنشئة الأبناء على القيم الصحيحة، والمبادئ التربويّة العالية، بالإضافة إلى العادات والآداب الأسريّة والاجتماعيّة الجيّدة، وغرس المفاهيم الحسنة في السلوك، والتعامل الصحيح مع الموارد المتاحة، كإدارة الوقت، وضرورة الحرص على قضائه بما هو مفيد...، وتحذير الأبناء من المخاطر المحيطة بهم؛ مثل: رفقاء السوء، أخطار التدخين، والانحراف الفكريّ، والمخدِّرات، بالإضافة إلى ضرورة توطيد العلاقة بينهم وبين الأبناء؛ لتجنّب لجوئهم لغيرهم عند الحاجة.

وتقوم الأسرة بالوظيفة الاجتماعيّة؛ وأهمّها كيفية تكوين العلاقات الاجتماعيّة ضمن عدّة ضوابط تعتمد على الدين والقيم، وذلك من خلال تعليم أفرادها أساليب التفاعل مع المحيط؛ ما يزيد من قدرتهم على التفاعل مع الآخرين...، وترسيخ مفاهيم التطوّع في المجتمع.

ضرورة التربية الدينيّة والأخلاقيّة:
ويأتي على رأس هذه الوظائف؛ الوظيفة الدينيّة والأخلاقيّة والتي تلتقي معها جميع الوظائف الأخرى؛ حيث تقوم الأسرة بتعليمهم المبادىء الدينيّة والأخلاقيّة، وكيفيّة التحلّي بالأخلاق الحسنة والفضائل الكريمة، وقد أكّد الدين الإسلاميّ على أهمّيّة التربية بشكل عامّ، وفصّل الكلام في تربية الأبناء؛ ما يُفهم منه زيادة في الحثّ والتأكيد على العناية التربويّة بالأبناء.
وتتمتّع الفتيات في الرؤية الإسلاميّة بامتيازات خاصّة وتفضيل واضح؛ إذ ذُكرن في الروايات باعتبارهنّ أفضل من الأبناء، كما في الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «خير أولادكم البنات»[3]، وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «البنات حسنات، والبنون نعمة فالحسنات يثاب عليها، والنّعم يسأل عنها»[4]. وجُعلت للفتيات امتيازاتٌ أكثر من امتيازات الفتية. جاء عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم الولد البنات؛ ملطّفات، مجهّزات، مؤنسات، مباركات، مفلّيات» [5]. وحثّ الإسلام الرجال على رعاية البنات، فاستطاع من خلال إعلانه عن الثواب الأخرويّ ورفعه لمنزلة المرأة الاجتماعيّة، أن يدفع بالوالدين لقبول الفتاة واستحسانها ورعايتها. فقد ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من كانت له ابنة فأدّبها وأحسن أدبها وعلّمها فأحسن تعليمها، فاوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه؛ كانت له منعة وسترًا من النار»[6].
وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «نِعْمَ الولد البنات المخدِّرات؛ من كانت عنده واحدة جعلها الله سترًا من النّار، ومن كانت عنده اثنتان أدخله الله بها الجنّة، ومن يكن له ثلاث أو مثلهنّ من الأخوات وضع عنه الجهاد والصّدقةُ»[7].
إنّ تأكيد الإسلام على رعاية الفتيات، والاهتمام بهنّ لم يكن للتمييز بينهنّ وبين الفتية، بل لإظهار دورهنّ المهمّ في المستقبل والتكاليف المُلقاة على عاتقهنّ؛ وأبرزها تربية الأجيال الواعدة. 

العفّة والحياء ركنا تربية الفتاة:
يتمتّع كلّ من الفتاة والصبّي بالكرامة الإنسانيّة ذاتها، فجوهرهما بالأصل طاهر ونفيس، وكلاهما خُلِقا على فطرة التوحيد. من هنا، وعلى الرغم من كلّ الاختلافات الظاهريّة بينهما، ينبغي على الوالدين والمربّين أن يجعلاهما مورد تربية وعناية خاصّة؛ لينعما في المستقبل بالرشد والكمال الجسمانيّ والروحانيّ. فالتربية حقٌ للفتاة والصبيّ معًا، وينبغي أن يتمتّعا بهذا الحقّ؛ ولكنّ تربيتهما بطبيعة الحال تتفاوت وتختلف.
بناءً  لما تقدّم يتّضح الطريق أمامنا في تأدية كلّ الوظائف الأسريّة الدينيّة وغيرها، وعلى رأسها تربية الفتاة على العفّة والحياء، باعتبار أنّهما من عناصر الإيمان والأمان في شخصيّة المرأة؛ ولأنّ الخالق الحكيم قد منح المرأة وظيفة بناء المجتمع؛ بجعلها الركن الثاني في تأسيسه من خلال الحياة الزوجيّة، والركن الأهمّ في تربيته من خلال إدارة الحياة الأسريّة وحمايتها. فقد أباح لها أن تفيض مكنون مشاعرها وعاطفتها في أعماق حياتها الزوجيّة والأسريّة. ولأنّه يريدها شريكةً في الجهاد الاجتماعيّ والتفاعل في ساحات العلم والتعلّم، فقد أكرمها بفريضة الستر والحجاب[8] لتكتمل فيها صفات العفّة والحياء، حرصًا على نقاء جوهرها وصفاء سريرتها.

كيف نربي بناتنا على الستر  والحجاب؟
تتحمّل الأسرة المسؤوليّة الأولى في تربية الفتاة على الستر والحجاب، وهذا يستلزم من الوالدين الالتفات إلى مجموعة من الأمور للقيام بها، منها:
1ـ أن يستشعر الأهل دائمًا بأنّ تربية أبنائهم أمانة إلهيّة أُودعت بين أيديهم يجب حفظها وإيصالها إلى برّ الأمان.
2ـ استشراف مستقبل بناتهم بملاحظة أنّ السلاح الأقوى الذي تحتاجه الفتاة في حياتها يتمثّل في عفّتها وحيائها، وهذا ما يتطلّب التركيز على بعدين مهمّين: الأول معنويّ؛ يرتبط ببناء قوى النفس وتوجيهها، والثاني ظاهريّ  يرتبط بالستر والسلوك وثقافة الحياة انطلاقًا من الالتزام الدينيّ.
3 ـ التعامل السلسل والهادىء والمتدرّج في الحثّ والتوجيه على الالتزام بالستر والحجاب، ومراعاة السلوك المنسجم معهما.
4 ـ الالتفات إلى أنّ الهدف السامي لتشريع الستر والحجاب في الإسلام هو منع السفور بكل صوره وأشكاله، نظرًا لما يترتّب عليه من مفاسد وأضرار، ووقاية المجتمع من الانحدار إلى حضيض الفساد المدمّر، وقد أثبتت الشواهد بأن التبرّج والسفور والاختلاط من العوامل الأساس في حصول الميوعة والانحراف. وها هم بعض عقلاء الغربيّين يستغيثون من ويلات الاختلاط والتبرّج والفوضى الجنسيّة ومن تبعاتها المسعورة التي لم ولن تقف دون الانهيار الشامل.
5 ـ الترغيب والتحفيز وربط الفتاة بالله تعالى إيجابًا عند تربيتها على الستر والحجاب، والابتعاد عن أسلوب التخويف من الله والإحراق بالنار ونحوها؛ فالإسلام حين أوجب الحجاب وحرّم السفور والتبرّج، كان يهدف إلى إرساء قواعد الأخلاق والقيم التي تحمي الإنسان على مستوى الفراد والمجتمع، وترتقي به حضاريًّا ليكون في مصّاف الذين ينسجمون مع فطرتهم التي فطرهم الله عليها؛ لهذا يشكّل الحجاب في الإسلام أحد أرفع درجات الاحترام للمرأة، وهو يحفظها ويحميها لئلا تكون لعبة للشهوات ومسرحًا لأتباع الغرائز.
صحيح بأنّ الحجاب من الواجبات الدينيّة، لكنّ التربية عليه يجب أن تلحظ البعد الإيجابيّ والمعنويّ الشخصيّ للفتاة إلى جانب بعده الدينيّ.
إن اختيار المدرسة والنادي والصديقات وأماكن الرياضة والترفيه و... يعدّ جزءًا لا يتجزّأ من العمليّة التربويّة في قضيّة الحجاب وغيره، وهذا ما يعطي أولويّة تربويّة لصناعة البيئة الإيجابيّة الأسريّة، باعتبارها أحد المرتكزات المهمّة والقويّة للتربية.
6ـ الالتفات إلى أنّ المرأة كلّما كانت ثابتة ووقورة وعفيفة، فلا تستعرض نفسها أمام الرجل، كلّما زاد احترامها عنده أكثر. قال الله تعالى بعد أن أمر النساء بالحجاب (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) (سورة الأحزاب، الآية 59)، يعني أنّ الحجاب والستر لأجل أن تُعرف بعفافها، فيعلم الناس أنّها ليست في متناول أيدي الجميع، وهو أفضل لها؛ لأنّه يمنع التعرّض لها، ويحفظها من اتّباع الشهوات والغرائز[9].
7 ـ أن يستند الأهل في التربية على الحجاب إلى خلفيّة دينيّة وثقافيّة، مع مراعاة الأعراف والتقاليد المعتادة، وإن وجد لبعض العادات إيجابيّات أحيانًا.
8 ـ الاتسام بالوعي والموضوعيّة، بمعنى الحذر من ما يثيره الآخرون من سلبيّات وإشكاليّات نفسيّة وفرديّة واجتماعيّة على الفتاة المحجّبة، والعمل على تعزيز ثقتها بنفسها.
9 ـ التعامل مع قضيّة الحجاب على أنّها جزء من السلوك العامّ للفتاة؛ إذ ليس من الصحيح الحرص على خصوص الحجاب والستر، وترك العناصر الأخرى المكوّنة لشخصيّة الفتاة أو اللامبالاة بها؛ مثل التبرّج والزينة والاختلاط السلبيّ والخضوع بالقول.
لقد أثبتت التجربة الإنسانيّة أنّ السفور هو سبب تخلّف المجتمعات من الجهة الاجتماعيّة، ووقوعها في المشاكل الخطيرة التي يئنّ منها عالم الغرب اليوم، ويكفي مقارنة صغيرة بين أمن المرأة في المجتمعات الغربيّة التي تبتعد عن الحجاب، وبين أمنها في المجتمعات الإسلاميّة التي التزمت بهذا الحجاب على الرغم من التقصير الموجود على مستوى الالتزام. فالحجاب هو الكمال والتقدّم والطمأنينة التي يمثّلها الحقّ، والسفور هو النقص والتخلّف والاضطراب وفقدان الأمن التي يمثّلها الباطل.
10 ـ ضرورة الالتفات إلى أنّ الحجاب فُرض من الله تبارك وتعالى؛ لذلك فهو بالتأكيد كمال وتقدّم لمن آمن بالله وبصفاته الكماليّة، وليس نقصًا أو تخلّفًا، وثمّة مفهومان للحجاب[10] يؤثّران بشكل كبير على دور المرأة ونشاطها وحضورها في المجتمع:
الأوّل: النظرة إلى الحجاب بشكل سلبيّ، وتطبيقه بشكل يعزل المرأة عن المجتمع بشكل كامل، بحيث لا يبقى لها فعاليّة ممكنة مع هذا الحجاب، وتصبح حياتها كلّها مختصرة في بيتها دون ارتباط بالمجتمع... هذه الطريقة من الحجاب لا تنسجم مع كثير من الآيات القرآنيّة، ومنها قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...) (سورة التوبة، الآية 71)،كما أنّها تتنافى مع السيرة والتاريخ الإسلاميّ؛ فالسيّدة فاطمة الزهراء كانت ركنا أساسيًّا من أركان المجتمع الإسلاميّ، وكذلك السيّدة زينب(عليها السلام) ودورها المعروف خصوصًا بعد كربلاء، وحملها لهذه الرسالة الخالدة، بل حتّى قبل كربلاء كان لها دورها الأساسيّ خصوصًا في المجتمع النسائيّ.
-  الثاني: وهو الحجاب الإيجابيّ الذي يحفظ المرأة في المجتمع، ويضمن لها الجوّ المناسب الذي يساعدها على العمل والفعّاليّة، فهو في الحقيقة دفعة نحو العمل والفعّاليّة والتأثير كما كانت سيّدة النساء(عليها السلام)، وكما كانت قبلها أمّها خديجة (رضوان الله تعالى عليها)، وكما كانت بعدها السيّدة زينب وبنات الرسالة بشكل عامّ.

-------------------------------------
[1]- النقوي، حامد: خلاصة عبقات الأنوار، (لا ط)، مؤسّسة البعثة، طهران، 1406هـ، ج4، ص255.
[2]- (م.ن)، ج104، ص99.
[3]- المجلسيّ، محمد باقر: بحار الأنوار، ط2، مؤسّسة الوفاء، بيروت، 1403هـ، ج101، ص91.
[4]- (م.ن)، ص 90
[5]- (م.ن)، ص5.
[6]- النوري، حسين: مستدرك ‏الوسائل، ط2، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، 1408هـ، ج15، ص116.
[7]- بحار الأنوار، (م.س)، ج101، ص91.
[8]- الحجاب مصطلح دينيّ معناه ستر المرأة لجميع بدنها عدا الوجه والكفين وستر الزينة الظاهرة عن الرجال من غير المحارم، وهو واجب في الشريعة الإسلاميّة، وقد أجمع المسلمون على وجوبه، واستدلوا عليه بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وسيرة أهل البيت(عليهم السلام). (الحجاب في..............
[9]ـ يراجع: مطهري، مرتضى، مسأله حجاب، ص 95.
[10]- يراجع:مكانة المرأة ودورها، نشر جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، ط2، 1431هـ، ص46-56.