-----------

  البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ملف العدد : الموضة والزينة (رؤية إسلامية)

الباحث :  السيد حسين إبراهيم
اسم المجلة :  مع الشباب
العدد :  9
السنة :  السنة الثانية - ربيع2020م / 1441هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 18 / 2020
عدد زيارات البحث :  181
بين الموضة والزينة:
«الموضة» لفــظٌ معـــرّبٌ عــــن الفرنسيّة (la mode )، وهو يعني «الشائع» أو «الدارج» كما يعبّر عنه باللغة العربيّة، أي أن يسير الناس في ملبسهم، ومطعمهم، ومشربهم، وما يرتدون، وما يسكنون...، إلى غير ذلك من مظاهر الحياة الاجتماعيّة على أساس الشائع والدارج. وهذا يمكن أن يكون على طُرُز مختلفة. تتغيّر على فترات، قد تطول أو تقصر.

وفي القرآن والسُنَّة نجد اصطلاحًا آخر هو اصطلاح الزينة. وهو يداخل اصطلاح الدارج ولا يساويه. فبعض ما يدرج هو زينةٌ، وسيتضح في كلامنا اللاحق.

الموقف التربويّ الإسلاميّ من الزينة:
هذا المعنى السابق، إذا قارنّاه بزينة الموضة، صرنا نتحدّث عن الزينة الظاهرة، وهي قشرة حسنةٌ محبوبة، ولكنّ الأهمّ هو الجوهر. وفي النصوص الدينيّة تفريق بين زينة الباطن وزينة الظاهر، فـ «إيّاك أن تتزيّن للناس وتبارزَ اللّه بالمعاصي»[1]. 
ولقد حُّبِّبَ إلينا أن نتزيّن بالزينتين: الباطنة والظاهرة، ونجمِّل أنفسنا؛ ففي الروايات الشريفة حثٌّ على تزيين الشَّعر وترجيله، وعلى تجمّل المرأة ولو بقلادة، وعلى تهيّؤ الإنسان لاستقبال الإنسان المؤمن، والتجمّل والتزيّن له. وقد قال الباري في كتابه: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)(سورة الأعراف، الآية31).
 وقال سبحانه: {قل من حرَّم زينة اللّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}(سورة الأعراف، الآية32)، وفي آية ثالثة قال تعالى:يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا[2] وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ(سورة الأعراف، الآية26)؛ فالأوّل زينة الظاهر، والثاني زينة الباطن.
واللّه ـ سبحانه ـ إذا أنعم على إنسان، أحبَّ أن تظهر نعمته عليه. فليس الزهد كما يفعل بعض الدراويش من المتصوّفة، عندما يصدرون إلى الناس بثياب متّسخة رثّة. بل الزهد ما كان يفعله الإمام الرضا(عليه السلام): «كان جلوس الرضا(عليه السلام) في الصيف على الحصير، وفي الشتاء على مسح، ولبسه الغليظ من الثياب، حتّى إذا برز للناس تزيّن لهم»[3].
اللّه خلقَكَ ـ إذًا ـ أيّها الإنسان في أحسن تقويم، وخلقك جميلًا، فلماذا لا تبقي جمال اللّه الذي خلقك عليه، و تكمله بما أنعم اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ عليك من لباس حسن، ومسكن حسن، ومأكل حسن؟

المحرّكات الاجتماعيّة للموضة والزينة:
 الاقتصاد الرأسماليّ يقود الموضة في المجتمعات الغربيّة الرأسماليّة. وليست الموضة في الغرب ظاهرة اجتماعيّة رائدة فحسب، وليست بنت الثقافة، وبنت الإبداع في اللباس والطعام والمصنوعات فحسب، ولكنّها-كذلك- بنت العقليّة الرأسماليّة التي تقودها تكتّلات الشركات الكبرى، بعقلية رأسماليّة متوحشّة تريد تصدير البضاعة  واستعمار العالم، تحاول أن تغيّر في الزِيّ، وفي الموضة، في كلّ حين؛ لأنّها تريد أن تبيع، وتريد أن تدير عجلة  اقتصادها الرأسماليّ.

هي آلة متوحّشة، لا تستطيع أن تتوقّف؛ لأنّها إن توقّفت، أكلت نفسها. وهذا ما يحدث الآن في الأزمة العالميّة بسبب وباء كورونا؛ فعندما تنهار البورصات أو يقلّ المبيع، يحصل الكساد في هذه الأسواق.
فهل يُراد بالموضة أن تُعطي الإنسان أجمل اللباس وأفضله؟! أم يُراد أن يصير الناس عبيدًا لهذا المصنوع الجديد؟! هنا الخطر، وهنا يمكن أن يقف الدين موقفًا مواجهًا لحركة استعباد الإنسان، وجعله عنصرًا مستهلكًا، عبدًا سلبيًّا لما يُعطى له.

المعيار التربويّ الإسلاميّ في النظر إلى الموضة والزينة (بين حدَّيْ تلبية الحاجة الإنسانيّة ومنع استعباد الإنسان):
يقول الإمام علي(عليه السلام): «الصورة الجميلة أوّل السعادة»[4]، وفي رواية أخرى: «أوّل السعادتين»[5]. وفي رواية ثالثة عن الإمام الصادق(عليه السلام): «فإنّ المشط يجلب الرزق (...)، ويُنجز الحاجة (...)»[6]، كيف ذلك؟
مثلًا: إن ذهبتَ إلى وظيفة معيّنة، ووجدوك إنسانًا مرتّبًا، فهذا يساعد على توظيفك. ونحن يمكن أن نفهم الخصائص التي وردت في هذا الحديث فهمًا اجتماعيًّا، وليس غيبيًّا. لكن إذا صار الشابُّ ذو الجِدَةِ والمال مثلًا، أبلغُ همّه أن يغيّر في كلّ سنة سيّارة؛ لأنّ سنة صنعها قد سلفت، فهذا يصبح هوسًا وانقيادًا للموضة، ويصبح هذا الشاب مستَعْمَلًا بالموضة لا مستعمِلًا لها ومتنعّمًا بها. وقس على هذا البيوت وطُرزها، وسائر نعم الله تعالى. والمرأة التي تُصرّ أن يكون زِيُّها في كلّ يوم وكلّ شهر على الدارج وعلى الموضة، حتّى تهمل بيتها، وتصرف مُدَّخراتها، أو مُدَّخرات أسرتها، وقعت في شرك هذه الرأسماليّة، التي تريد أن تستنفذ منها مالها، وهي مسكينة، تسعى خلف تلك العجلة الضخمة. 

فالدين لا يريد أن يكون الإنسان عبدًا لهذا الشيء، ولو قال الإنسان ـ ليلَه ونهارَه ـ أنا عبد اللّه، وكان بينه وبين نفسه، عبد تلك الموضة.

من ضوابط الموضة التربويّة احترام الشرع الإسلاميّ:
إذا وصلت متابعة الموضة إلى حدّ الإسراف، وإلى حدّ التبذير في اللباس، والبناء، والسيارة...، صار هذا حرامًا شرعًا. وإذا وصل إلى حدّ الأخذ من مصروف البيت بدون إذن الزوج، المعيل وصاحب المال، أو إلى حدّ التقتير على الأولاد في النفقة الواجبة صار حرامًا شرعًا أيضًا.
وهناك أنواع من الموضة في لباس المرأة، يمكن أن تصل إلى حدّ الحرمة. فاللباس إذا كان غير ساتر للمرأة مثلًا، فيكون غير شرعيّ، كما في الأثواب المسمّاة زورًا (شرعيّة)، لضيقها أو ألوانها.

الأمّة والموضة بين التقليد والتجديد:
نحن نريد لأمّتنا الإسلاميّة أن لا تتوقّف عن تطوير زيّها، وطعامها ومصنوعاتها، وطرق بنائها...
هذا من الأمور التي تعبّر عن حيويّة الأمم. ولعلّ تقليدنا للآخرين فيما يلبسون، هو مظهر من مظاهر قصورنا، أو تقصيرنا عن السير في مجالات الحياة.
وعندما ندعو إلى عدم تقليد الآخر المستكبر أو الظالم، فإنّما ذلك حتّى لا يؤدّي تقليده إلى تولّيه ومعارضة ذلك لولاية اللّه سبحانه وتعالى، فليس كلّ جديد في الموضة والزينة مرفوضًا، فالمهمّ أن يكون مما يرضاه الباري
ـ عزّ وجلّ ـ أو لا يكون مصادمًا لمقصد من مقاصد الدين أو لحكم شرعيّ، أو ربما لخصوصيّة اجتماعيّة حضاريّة.

-------------------------------------
[1]ـ الحرّ العامليّ، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة. ط3، مؤسّسة
أهل البيت لأحياء التراث، قم،1414هـ، ج3، ب4، ص344.
[2]- ريشاً: أي أثاثاً.
[3] ـ يراجع: المجلسيّ، محمد باقر: بحار الأنوار. ط1، مؤسّسة الوفاء، بيروت،1404هـ،  ج79، ب7، ص300.
[4]ـ الريشهريّ، محمّدي: ميزان الحكمة.(لا.ط)، الدار الإسلاميّة، بيروت، 1985م، ج 2، ص545.
[5]ـ (م.ن)،(ج.ن)،ص 545.
[6] المجلسيّ،(م.س)، ج73، ص117.