-----------

سكنا لأنفسكم

{ فاطمة نعمة الله شعيتو }

سكنا لأنفسكم

أكدّت الدراسات والبحوث التي تناولت البيئة على اختلاف أنواعها وجود علاقة جذريّة بين البيئة والإنسان، تَظهر تجلّياتها في تكوينه، ونموّه، وسماته، وذكائه، وخبراته، وثقافته، وميوله، واهتماماته[1].

ولا شكَّ أنَّ البيئة المنزليّة واحدة من مفردات البيئة الأكثر التصاقًا بالإنسان، والأقرب إلى التأثير في تكوين شخصيّته وتفتّح قابليّاته؛ وبناءً عليه فإنَّ البيئة المنزليّة[2] السليمة تصنع أشخاصًا يتمتّعون بصحة نفسيّة وعقليّة وجسديّة وروحيّة سليمة؛ لكنَّ اختيار المنزل بمواصفات خاصّة بات يشكّل تحدّيًا كبيرًا أمام الشباب، وخاصّةً في ظلّ الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة الصعبة والمهيمنة على كثير من مجتمعاتنا.

وقد وصف القرآن الكريم المنزل بأنّه سكن، حيث قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} (سورة النحل، الآية: 80)، والسكن من السكينة ومعناه الطمأنينة والاستقرار والاستئناس والهدوء.

فكيف يمكن للشباب أن يجعلوا من بيوتهم سكنًا لأنفسهم؟

وما هي مواصفات البيئة المنزليّة السليمة؟

أكدّت الشريعة الإسلاميّة على مجموعة من المواصفات، يمكن للشباب مراعاتها؛ ليطيب سكنهم ما أمكن. نذكر منها:

أوّلًا: اختر الموقع المناسب

قيل: «لا تطيب السُّكنى إلّا بثلاث: الهواء الطيّب والماء الغزير العذب والأرض الخوارة (أي السهلة اللينة)»[3]. حيث يعدّ الهواء والماء والأرض، عناصر بيئيّة ترسم الموقع الجغرافيّ المناسب لاختيار المنزل، فوجود المنزل في بيئة طبيعيّة يعدّ من النعم الإلهيّة الكبرى، وخاصّة إذا ترافق مع توافر مساحات خضراء بعيدة عن ضوضاء المدن وتلوّثها.

  كما يُستفاد من قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} (سورة سبأ، الآية15)، ضرورة احتواء المساكن على المساحات الخضراء من حدائق وبساتين وغيرها؛ حيث وصفت الآية المساكنَ التي توجد فيها الجنّات بالبلدة بالطيّبة.

ولا يخفى تأثير الطبيعة الخضراء على الإنسان، وعلى صحته النفسيّة وقدراته العقليّة والبدنيّة؛ فقد أظهرت دراسات يابانيّة أُجريت على مجموعة من الشباب أنَّ دقّات القلب ومستوى ضغط الدم، والهرمونات المسؤولة عن القلق تنتظم كلمّا كان الإنسان موجودًا في الطبيعة، وأنَّ الاسترخاء في الطبيعة يقوّي الجهاز المناعيّ، ويزيد من إنتاج الخلايا البيضاء المسؤولة عن محاربة الفيروسات والأمراض[4].

وتوفيرًا للجهد والوقت، يفضّل أن يكون المنزل قريبًا من مكان العمل، ومراكز الدراسة والمراكز الصحيّة والخدماتيّة المختلفة.

بناءً عليه؛ فإنَّ حسن اختيار الموقع الجغرافيّ للمنزل هو الخطوة الأولى التي ينبغي للشباب أن يُقدِموا عليها ليصنعوا بيئة منزليّة سليمة.

ثانيًا: لا تُغفل التصاميم الهندسيّة

نُسب إلى أفلاطون قوله في تعريف الجمال بأنّه: «وجود التناسق والانسجام بين الأجزاء والكلّ»[5].

ولا شكّ أنّ ثمّة اختلافًا بين الناس في الذوق الجماليّ، وتحديدًا في ما يرتبط بالبيئة المنزليّة، فكلٌّ يقوم بتنسيق منزله وترتيب أثاثه بحسب ذوقه.

وقد أشار بعض المتخصّصين في الهندسة الداخليّة إلى مجموعة من القواعد والإرشادت التي تساعد في تصميم الشكل الداخليّ للمنزل، وفي كيفيّة توزيع الأثاث وتنسيقه بما يتوافق ومتطلّبات الحياة.

والأساس في الهندسة الداخليّة أن يعتمد تنسيق الغرف في المنزل وتنظيم الأثاث فيها على كيفيّة استعمالها، وما يُؤمِّنه تنظيمها من راحة للإنسان[6]؛ لذا يجب هندسة الغرف والأثاث المنزليّ بالشكل الذي يدعو إلى الراحة وسهولة التنقّل داخل المنزل، انطلاقًا من المقولة الشهيرة في فنّ العمارة الحديثة من أنّ  «الشكل يتبع الوظيفة»[7].

ولا يخفى على أحد أنَّ المنزل الفسيح  يؤمّن الراحة والسعادة لأهله، لكنّ دعوتنا إلى التوسعة لا تعني أبدًا أن يعيش الشاب في ترف مفرط، بحيث يسعى إلى اتخاذ منزل كبير، ويبالغ في عمارته وهندسته، ويُسرف في تزيينه وتجميله بالأثاث الثمين، ما يؤدّي إلى ضياع المال وإتلافه؛ فقد نهت الشريعة الإسلاميّة عن الإسراف، وجعلت الكفاف معيارًا أساسًا في بناء البيوت واختيارها؛ حيث ورد في الحديث: «كلّ بناء ليس بكفاف، فهو وبال على صاحبه«[8].

ثالثًا: اهتمّ بالنظافة المنزليّة

لا شكّ أنّ النظافة من أهمّ شروط البيئة المنزليّة الصحيّة والسليمة، وقد جُعلت من مقتضيات الإيمان؛ قال رسول الله (ص): «النظافة من الإيمان»[9]، وحثّ (ص) المسلمين على الاهتمام بنظافة الدار فضلًا عن الأفنية (وهي الساحات التي تحيط بالدور)، حيث قال (ص): «اكنِسوا أفنيَتكم»[10]. وقال أيضًا (ص): «لا تبيّتوا القمامة في بيوتكم وأخرجوها نهارًا»[11].

ومن مؤشّرات المنزل النظيف الرائحة الطيّبة؛ لذا يوصي الخبراء بزراعة بعض النباتات المنزليّة العطريّة، كالأوركيد، والفلّ، والغاردينيا، والريحان، وغيرها، أو الاستفادة من الزيوت العطريّة، مثل: زيت اللافندر، والقرنفل، والياسمين، أو استخدام بعض أنواع البخّور الطبيعيّ[12]

ولا نبالغ إن قلنا إنّ النظافة لا تقتصر على أثاث المنزل وجدرانه فحسب، بل تشمل ذرّات الهواء أيضًا؛ فالبيئة السليمة والنظيفة هي تلك البيئة الخالية من تلوّث الهواء المنزليّ الذي يكون مصدره الدخان المنبعث من التبغ والنرجيلة والفحم الصلب غالبًا، وخاصّة أنّ هذه العادات صارت جزءًا من عادات الشباب وهوسهم. وقد ذكرت منظّمة الصحّة العالميّة في تقريرها أنّ التعرّض للهواء الملوّث داخل المنزل ينجم عنه 3.8 مليون حالة وفاة مبكرة سنويًّا من جرّاء الإصابة بأمراض غير سارية، منها: السكتة الدماغيّة، ومرض القلب الإقفاريّ، والانسداد الرئويّ المزمن وسرطان الرئة. وتتسبّب الجسيمات التي تُستنشق من الهواء الملوّث داخل المنزل بنسبة تزيد على 50% من وفيّات الأطفال دون سن الخامسة بسبب الالتهاب الرئويّ[13].

رابعاً: إحذر من التلوّث الضوضائيّ

يعدّ التلوّث الضوضائيّ أو السمعيّ من أنواع التلوّث البيئيّ الذي يشكو منه كثيرون، ويُراد به الضجيج والأصوات العالية التي تؤذي السمع، وتُقلق الراحة، وتتلف الأعصاب، وخصوصًا المرضى والأطفال، ومن يحتاج عملهم إلى فكر وسكينة وهدوء. ومن هنا، شجّع الإسلام على خفض الصوت واستنكر رفعه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (سورة لقمان، الآية 19) [14].

ولا شكّ أنّ سلامة البيئة المنزلية تكتمل بالهدوء والبعد عن التلوّث الضوضائيّ.

ختامًا، إنّ ما ذكرناه من معايير جغرافيّة وبيئيّة لاختيار المنزل اللائق لا يكتمل إلّا بوجود البيئة الاجتماعيّة السليمة؛ لذلك نجد أنّ الشريعة الإسلاميّة حثّت على حُسن اختيار الجار؛ فقد ورد أنّ رجلًا أتى إلى رسول الله (ص) فقال: «يا رسول الله، إنّي أردت شراء دار، أين تأمرني أشتري، في جهينة، أم في مُزينة، أم في ثقيف، أم في قريش؟ فقال له رسول الله (ص): الجوار ثمّ الدار»[15]. وفي السياق نفسه، قيل: «سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار»[16].

فأحسنوا اختيار منازلكم لتكون

سكنًا لأنفسكم...

------------------------------

[1]- السامرائيّ، نبيهة(د) : علم النفس البيئيّ( مفاهيم وحقائق ونظريّات وتطبيقات)، ط1، دار زهران، عمان، 2008م، ص8.

[2]- يعود الأصل اللّغويّ لكلمة «البيئة» في اللغة العربيّة إلى لفظ «بوّأ»، تقول تبوّأ فلان بيتًا، أي اتّخذه منزلًا. والاسم؛ البيئة، والمباءة بمعنى المنزل. والبيئة اصطلاحًا هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويؤثّر فيه ويتأثّر به، وتتمثّل البيئة فيما يحيط بالإنسان من هواء وماء وتربة وضوء الشمس والنبات والحيوان، فيحصل منها على مقوّمات حياته من غذاء وكساء ومأوًى ودواء.

والبيئة المنزليّة هي المكان والمأوى الذي يعيش فيه الإنسان، ويتّخذه مستقرًا له؛ للاحتماء من عوامل الطبيعة، ولقضاء احتياجاته ونشاطاته الحياتيّة المختلفة . يراجع: رزق، خليل: الإسلام والبيئة، ط1، دار الهادي، بيروت، 2006م،ص23.

[3]- ابن شعبة الحرّانيّ، حسن بن علي: تحف العقول عن آل الرسول، ط7، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 2002م،  320.

[4] مقالة بعنوان لطبيعة علاج للقلق والتوتّر النفسيّ، http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej

[5]ـ الغزاليّ، أبو حامد محمد بن محمد: إحياء علوم الدين، (لا ط)، دار الكتاب العربيّ، بيروت، 2013م، ج8، ص12.

[6]ـ نزير الزيّات: ديكور البيت السعيد، ط1، دار دمشق، دمشق، 1989م، ص 64.

[7]ـ مقولة كتبت بواسطة المعماريّ فرانك لويد رايت. يُراجع: العمارة الحديثة بساطة وجما:
 Modern Architecture.

 https://forum.uaewomen.net61cd35ec6defb621588.

[8]- الطبرسيّ، الحسن بن الفضل: مكارم الأخلاق، ط1، دار المحجّة البيضاء، بيروت،2001م، ص80.

[9]- المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط 2، 1983م، مؤسّسة الوفاء، بيروت، ج59، ص291.

[10]- البرقيّ، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن (الأخلاق والآداب)، ط1، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، ج2، ص463.

[11]- ابن بابويه، محمّد بن عليّ: من لا يحضره الفقيه، ط2، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ، 1413هـ، ج4، ص5.

[12]- لورا فرونتي: دليل التدبير والتوفير المنزليّ، ط1، دار الفراشة، بيروت، 2001م، ص 236.

[13]- الصفحة الرسميّة لمنظّمة الصحّة العالميّة، تلوّث الهواء داخل المنزل والصحة

https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/household-air-pollution-and-health

[14]- كيف نحافظ على البيئة؟ نافذة المجتمع والبيئة، شبكة المعارف الإسلامية، http://www.almaaref.org   (بتصرّف).

[15]- النوريّ، حسين: مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت، ط2، (لا د)، بيروت، 1988م،  ج3، ص471

[16]الإمام عليّ (ع) نهج البلاغة، ط10، دار المرتضى، بيروت،2001م، ج3، ص511.