-----------

المعلم الثاني الفارابي

{ ليلى قبيسي }

المعلم الثاني الفارابي

ملامح من شخصيّته:

الفيلسوف الإسلاميّ أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أُوزَلَغ الفارابيّ، وُلد عام 257هـ
في بلدة “وسيج” بالقرب من مدينة فاراب، من أمٍّ تركيّة وأبٍ فارسيّ[1]، تميّز بشرافة نسبه، وحياته الميسورة، لكنّه عدل عن هذه الحياة وزهد فيها؛ حيث أعرض عن منازل الرِّفعة والجاه والشهرة. عاش في كنف سيف الدولة، الذي أغدق عليه المال؛ لكنّه كان ينفق أربعة دراهم فقط في النهار لتلبية حاجاته. مالَ إلى العزلة والتأمّل، إلى أن تُوفّي عام 339هـ.

يُعدّ “الفارابي” من أشهر الفلاسفة المسلمين، ومن أكبر فلاسفة القرن الرابع الهجريّ. كان ملمّاً بالأدب العربيّ، والمنطق، والفلسفة، والرياضيّات، والموسيقى، والسياسة، وعلم الاجتماع. وقد تميّز بسعة ثقافته وإحاطته بالعلوم وقدرته على تعلّم عدّة لغات؛ حيث كان يجيد الفارسيّة، والتركيّة، الكرديّة، والعربيّة[2].

 سُمّي بـ “المعلِّم الثاني” نسبةً إلى “أرسطو” المعلِّم الأوّل؛ لأنّه حذا حذوه في الاهتمام بعلم المنطق، وشَرَح مؤلّفات أرسطو المنطقيّة.

مؤلّفاته:

تنوّعت مؤلّفات “الفارابي” بين مقدّمات ومختصرات، شروح وتعليقات، ردود على المتقدّمين والمعاصرين، ومؤلّفات خاصّة عرض فيها آراءه.

فكان من المقدّمات والمختصرات: “ما ينبغي أن يُقدّم قبل تعلّم الفلسفة”، و “رسالة في أغراض ما بعد الطبيعة”، و “المختصر الكبير في المنطق” وغيرها.

 أمّا من الشروح والتعليقات: “شرح كتاب المقولات لأرسطو”، و “شرح كتاب العبارة لأرسطو”، و “شرح كتاب الجدل لأرسطو”.

ومن الردود على المتقدّمين والمعاصرين:  “الرّد على ابن الراونديّ في أدب الجدل”، و “مقالة في وجوب صناعة الكيمياء والردّ على مبطليها” وغيرها.

 وأمّا من كتبه الخاصّة: “رسالة في العقل”، و “رسالة في ماهيّة النفس”، و “كلام في الرؤيا”، و “كلام في العلم الإلهيّ” وغيرها. وقد تميّزت مؤلّفاته بدقّة معانيها، وإيجاز أفكارها التي تحتاج إلى شرح وبيان مفصّل.

فلسفته:

قدّم الفارابيّ من خلال فلسفته مقاربة شبه شاملة لكلّ ما يرتبط بالحياة الإنسانيّة، مبدؤها، منتهاها، تدبير شؤونها والسياسة التي ينبغي اتبّاعها. يقول الدكتور إبراهيم مدكور[3]: «كان الفارابيّ يريد أن يدرس كلّ شيء، وكان يميل إلى النظر في الأمور من كلّ ناحية، وإلى البحث في جميع الاحتمالات الممكنة، وكان يسعى إلى التوحيد والتعميم، إلى التقسيم والتفصيل، وهذه الروح البنّاءة ظاهرة تمام الظهور في أسلوبه الكتابيّ وفي عباراته.. فهو كاتبٌ يوجز ويلخّص ويعرف قيمة كلّ لفظة، وهو يطيل التأمّل الفكريّ في اللفظة كما يطيله في الفكرة».[4]

أبرز أفكاره الفلسفيّة:

وحدة الفلسفة:

سعى الفارابي إلى التوفيق بين المذاهب المتعارضة  من قبيل الجمع بين رأيي الحكيمين في كتابه “الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو”، مُعتبراً أنّ هذين الفيلسوفين متّفقان، وإنْ اختلفا في بعض المسائل[5].

النظرة إلى الله والعالم:

بيّن الفارابي أنّ الموجود ينقسم إلى قسمين؛ إمّا أن يكون واجباً أو ممكناً، ولأنّ الممكن لا يخرج إلى الوجود إلا بعلّة ولمّا كانت العلل لا تتسلسل إلى غير النهاية، وجب أن ينتهي التسلسل إلى موجود واجب الوجود لا علّة لوجوده، فتكون الممكنات بذاتها واجبة بغيرها، والله هو موجودٌ واجب بذاته، وهو السبب الأوّل لوجود كلّ شيء في العالم.

وأمّا في ما يتعلّق بصفات الله، فيعتبر الفارابيّ أنّه لمّا كان السبب الأوّل هو الموجِد لسائر الموجودات، فذلك يعني أنّه بريء من كلّ نقص وأنّ وجوده أفضل وأكمل وأقدم وجود.

النفس الإنسانية:

  يعتبر الفارابي أنّ النفس الإنسانيّة تمتلك خمس قوى:

     ـ القوّة الغاذية التي يتغذّى بها الجسم ويقوى من خلالها.

     ـ القوّة الحاسّة التي تتمثّل فيها الحواس الخمسة، فيدرك من خلالها محيطه.

     ـ القوّة النزوعيّة التي ينزع الإنسان من خلالها نحو الشيء، فيشتاق له أو ينفر منه فيكرهه.

     ـ القوّة المتخيّلة التي من خلالها تُحفظ الصور التي ارتسمت من المحسوسات، فيُعاد تخيّلها مع غيابها.

     ـ القوّة الناطقة التي تمكِّن من إدراك المعقولات وتمييز حسنها من قبحها.

المدينة الفاضلة:

يبيّن الفارابي أنّ المدينة الفاضلة هي الركن الاجتماعيّ الذي يتمّ فيه التعاون على الأشياء التي تُنال بها السعادة، حيث إنّ التعاون هو الشرط الأساس لبلوغ تلك السعادة، مشبّهاً هذه المدينة ببدن الإنسان الذي تتعاون أعضاؤه لحفظه ومدّه بالقوة. وهذه المدينة تتألّف من رئيس المدينة الذي ينبغي بحسب الفارابيّ أن يمتاز بخصال محدّدة تُظهر ضرورة كونه كامل الصفات والملكات والذي يسمّيه “الإمام” بحكم تأثّره بالإمامة في المذهب الشيعيّ. وفي مقلبٍ آخر يشير الفارابيّ إلى ما هو مضادّ للمدينة الفاضلة والتي فصّل لكلّ منها حالها، فقسّمها إلى أربعة أنواع: المدينة الجاهلة، وهي التي لم يعرف أهلها السعادة ولم تخطر في بالهم أصلاً، المدينة الفاسقة وهي التي يعلم أهلها ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة، لكن سلوكهم سلوك أهل المدينة الجاهلة، المدينة المبدّلة وهي المدينة التي كان سلوك أهلها سلوك أهل المدينة الفاضلة لكنهم بدّلوا ذلك، ورابعاً المدينة الضالّة وهي المدينة المُعتقِدة بالله، لكن رئيسها يكون ضالاً ويخادع الناس[6].

أخيراً، يعتقد الفارابي أنّ من يُقبِل على الفلسفة والعلم يجب أن يكون نظيفاً ونزيهاً من الناحية الأخلاقيّة، كما يعتقد أنّ الأخلاق هي مُنطلَق حضاريّ وشموليّ، وأنّ الحضارة مُندكّة مع الأخلاق، وأنّ رئيس المدينة هو المسؤول عن صيانة نظام المدينة[7].

----------------------------

[1]- يُراجع: ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، شرح وتحقيق الدكتور نزار رضا، (لا ط)، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ص603.

[2]- يُراجع: صليبا، جميل: تاريخ الفلسفة العربيّة، ط3، دار الكتاب العالميّ، لبنان، 1995م، ص135- 140.

[3]-  إبراهيم مدكور ( 1902م - 1996م ): عالم لغة، ومتخصّص  في الفلسفة، وأستاذ جامعيّ مصريّ.

[4]- Madkour, Ibrahim, La Place d’Al Farabi Dans l’École Philosophique Musulmane, bulletin of the school of oriental and African  schools, 2009, p15,16.

[5] يُراجع:، صليب تاريخ الفلسفة، (م.س)، ص143-146.

[6] يُراجع: صليبا، تاريخ الفلسفة، (م.س)، ص147-177.

[7] يُراجع: المدارس الأخلاقيّة في الفكر الإسلاميّ دراسة منهجيّة حديثة في المصادر والاتجاهات، تعريب عبد الحسن بهبهاني بور، ط1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، 2012م، ص 128-129.