-----------

الباحثون عن الله... (3)

{ د. نور الدين أبو لحية }

الباحثون عن الله... (3)

في صباح اليوم التالي قصدتُ المطار... وهناك رأيت عشرة من الرجال.. كلّ واحد منهم قد امتلأ شعره بالشيب الذي ملأ شعري... بل إنّ بعضهم أحنَتْ ظهره الأيام، فطأطأ رأسه لها.

سلّمت عليهم، ثم ركبنا الطائرة... وقد قدر الله أن لا نصل إلى مبتغانا؟!!!

هذا ما وصلنا إليه في الحلقة الثانية[1]؛ وكنّا بانتظار الإجابة عن السؤال الآتي: لماذا لم تصل الطائرة؟!!


لقد أصاب الطائرة ونحن في وسط الطريق من العطب ما كاد يقضي على حياتنا...

 ولولا مهارة قائد الطائرة، لكنّا جميعًا في عداد الموتى، لكنه - بعد جهد جهيد- استطاع أن يحطّ بها في غابة موحشة ممتلئة بالظلمات والبرد الشديد..

وقد ملأنا قائد الطائرة حزنًا، حيث أخبرنا أنّ كلّ أجهزة الطائرة قد أصابها عطل يحول بينها وبين أيّ تحرك.. بل حصل لكلّ أجهزة الطائرة من العطب ما يحول بينها وبين الاتصال بأيّ جهة من الجهات.

ثم عاد وأخبرنا بأنّنا في مكان يستحيل على أيّ جهاز في الدنيا أن يرقبه.. فالباحث في تلك الغابة كالباحث عن إبرة في كومة عظيمة من القشّ.

قال لنا ذلك.. ثم راحوا يوزّعون علينا ما بقي من الزاد القليل..

بقينا في تلك الغابة شهرًا كاملًا إلى أن أدركنا الله بفرَجه..

قلت: كيف حصل ذلك، وقد أخبركم قائد الطائرة أنّكم في مكان لا يمكن أن يتعرّف عليه أحد من الناس؟

قال: لا تعجل، فإنّ لذلك قصة كانت هي المفتاح الأكبر الذي اهتديت به إلى الإسلام..

 امتلأت سرورًا، وقلت: كيف كان ذلك؟

قال: سأحكي لك الحكاية من البداية..

قلت: لقد ذكرت لي أنّ الطائرة نزلت بكم في ذلك المحلّ الموحش الذي لا يمكن أن يعرفه أحد من الناس.

قال: أجل.. وقد تقلّبت بنا الأحوال في تلك الأيام تقلّبات عجيبة.

 في الأيام الأولى.. كان الزاد متوافرًا، فقد انشغلنا، وانشغل كثير منا باللهو واللعب.. وكأنّ الموت لا ينتظرنا، بل إنّ بعضنا عندما عوتب في لهوه ولعبه، قال: دعني أموت وأنا أضحك خير من أن أموت وأنا أبكي.

أمّا عندما بدأ الزاد ينفذ، وبدأت الحقيقة تنجلي... بدأ الإحباط ينشر أشعّته على أكثر ركاب الطائرة، على الرغم من كونهم أناسًا مثقّفين... حتى وصل الأمر ببعض الأشخاص إلى حدّ الانتحار، ووصل بآخرين إلى حدّ الجنون..

*    *    *

بعد هذه الحوادث وغيرها رأيت خوفًا كبيرًا بدأ يدبّ إلى قلوب المسافرين معنا.. وقد استحث ذلك بعض المسافرين معنا، وكان من بينهم رجلٌ حكيمٌ جمع من بقي من المسافرين عدانا، ثم انفرد بهم؛ يناجيهم ويناجونه بما لم نتمكّن من سماعه..

وبعد تلك المناجاة أتوا إلينا، وقالوا: لقد علمنا أنّكم رجال عارفون بالله.. وأنّكم ما خرجتم من بلادكم إلا لتعرّفوا الخلق بالله.. فهيّا عرّفونا بربّنا لندعوه أن ينقذنا مما نحن فيه..

قال رجل منهم: نحن من بلاد مختلفة.. منّا مَن يؤمن بالله.. ومنّا مَن لا يؤمن به.. ونحن نختلف فيما بيننا اختلافًا شديدًا في معارفنا المرتبطة بالله.. ولا يمكن لدعواتنا أن ترتفع للآلهة المزيفة؛ فلذلك لا مناص لنا من البحث عن الإله الحقيقيّ حتى نرفع أكفّنا بالتضرّع إليه.

قال آخر: نحن كمرضى نحتاج إلى طبيب.. ولذلك نحتاج إلى التعرّف على الطبيب قبل أن نطلب منه أن يعالجنا.. حتى لا نسلّم أجسادنا للدجالين.

وعقّب ثالثٌ: في موقفنا هذا لا تُجدينا إلا الحقائق.. فحدثونا بالحقائق لا بالرسوم..

طأطأنا رؤوسنا جميعًا.. ثم ركنّا إلى صمت طويل.. قطعه أحدنا بقوله: اسمحوا لي أيها الجمع أن أعترف الآن بين أيديكم في هذه اللحظات ـ التي ربما تكون آخر لحظات حياتي ـ بأنّي لم أكن مسافرًا للتعريف بالله...!!

 سرت ضوضاء في الجمع الملتف حولنا، قطعها بقوله: لا تتعجّبوا.. هذه هي الحقيقة التي كنت أتفنّن في سترها بأنواع الطلاء.. نعم أنا مكلّف بأن أقدّم محاضرة تحاول أن تعرّف بالله.. ولكنّها في الحقيقة محاضرة لم تؤسَّس إلا على مطامعي وأهوائي، لا على الحقائق التي تفرضها العقول ويدعو إليها المنطق.

ردّد أصحابي الباقون ما ردّده هؤلاء.. فقال رجل من الجمع: فماذا نفعل إذن؟! كيف نبحث عن ربّنا؟! فلا يمكن لدعواتنا أن تصل إلّا إلى الله الحقيقيّ.. هكذا أخبرنا الحكيم؟

بعد صمت طويل ممتلئ بالألم، قام أحدنا، وكان – على ما يبدو – أكبرنا سنًّا، وقال: سأحدّثكم أنا عن بعض لحظات الصدق التي عشتها عساها تكون مقدّمة لبحثنا عن الله...

كنت في يوم من الأيام تلميذًا من تلاميذ أكبر الملاحدة الذين عرفهم العالم؛ فلذلك لم أكن أعرف الله، ولم أكن أؤمن بوجوده.

لقد امتدّت بي هذه الحال أعوامًا طويلة...

لست أدري هل كان ما أتفوّه به هو حقيقة ما كان يملأ وجداني، أم أنّ زهوّي بعقلي الذي بدأ يتفتّح، وإعجابي بموهبة الكلام ومقارعة الحجج التي انفردت بها كان هو الحافز والمشجّع والدافع.. لست أدري..

لكن الذي أعرفه هو أنّني رفضت التسليم بوجود الله لسبب واحد، هو أنّني استغرقت في عبادة نفسي، وأعجبت بومضة النور التي بدأت تومض في فكري مع انفتاح الوعي وبداية الصحوة من مهد الطفولة.

كانت هذه هي الحالة النفسيّة وراء المشهد الجدليّ الذي كان يتكرّر كلّ يوم..

لقد غاب عنّي حينها المنطق الذي كنت أدّعيه.. فلم أدرك  بسبب عبوديتي لنفسي أنّني أتناقض مع نفسي؛ إذ كيف أعترف بالخالق، ثم أقول: ومن خلق الخالق، فأجعل منه مخلوقاً في الوقت الذي أسمّيه خالقاً، وهي السفسطة بعينها..

هذه بدايتي... وقد  احتاج الأمر منّي بعدها سنين طويلة من الغرق في الكتب، والغرق في التأمّل، والحوار مع النفس، وإعادة النظر وتقليب الفكر على كلّ وجه لأقطع الطريق الشائكة التي أيقنت من خلالها بوجود الله.

لم يكن الأمر سهلاً.. لأنّني لم أشأ أن آخذ الأمر مأخذًا سهلاً.. فلو أنّني أصغيت إلى صوت الفطرة، وتركت البداهة تقودني، لأعفيت نفسي من عناء الجدل، ولقادتني الفطرة إلى الله..

خلاصة

عرضنا في الحلقات الثلاث مقتطفات من رواية تدور أحداثها حول رجل دين مسيحيّ يزور المؤلّف، ثم يحكي له قصّة اهتدائه لله، وهي القصّة التي بدأت بتكليفه من طرف الكنيسة باصطحاب هيئة علميّة أرسلها الفاتيكان لحضور مؤتمر علميّ حول الله في الأديان المختلفة.. وقبل الوصول إلى المؤتمر نزلت الطائرة التي تُقلّهم اضطراريًّا في مكان مجهول، وحين يئسَ الركّاب من أن ينقذهم أحد وقفوا مواقفَ مختلفة.. أمّا الملاحدة واللادينيّون، فمنهم من انتحر، ومنهم من أصيب بالجنون.. وأمّا غيرهم، فتضرّعوا إلى الله.. كلّ حسب دينه الذي يعتقده.. لكنّ شخصًا منهم خاطبهم بقوله: «نحن من بلاد مختلفة.. منّا من يؤمن بالله.. ومنّا من لا يؤمن به.. ونحن نختلف فيما بيننا اختلافًا شديدًا في معارفنا المرتبطة بالله.. ولا يمكن لدعواتنا أن ترتفع للآلهة المزيّفة.. فلذلك لا مناص لنا من البحث عن الإله الحقيقيّ حتى نرفع أكفّنا بالتضرّع إليه».

وهنا بدأ كلّ باحث من الهيئة العلميّة يدلي بشهادته الصادقة عن معارفه التي وصل إليها أثناء زيارته لبلاد المسلمين...

وفي النهاية.. وبعد اهتدائهم لله ودعائهم له، قيّض الله لهم من أنقذهم..

روايةٌ تحاول أن تنشر في قلب كلّ إنسان أهمّيّة معرفة الله وضرورتها؛ فالحياة لا تستقيم دونها، والقلبُ لا يدرك ضالّته بغيرها...

-------------------------

[1]- يراجع: العدد السادس، الباحثون عن الله، ص4.