-----------

وهم الإلحاد / أ. د. عمرو شريف

وهم الإلحاد / أ. د. عمرو شريف

بين يدي الكتاب : الإلحاد ظاهرة قديمة متجددة:

الإلحادُ، أي إنكار وجود الخالق والمدبر للكون، ليس ظاهرةً جديدةً أو متربطةً بتطور العلوم في الحضارة الغربية المعاصرة، وإنما – عبر التاريخ وإلى الآن – وُجدَ من يُنكر وجود الخالق (عز وجل)، ويرفض دعوة الأنبياء للإيمان بالغيب.. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، وهو يتحدث عن فئة من الناس، {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: الآية 24].

وهؤلاء الدهريون - حسب القرآن - يتّصفون بالجهل، {مالهم بذلك من علم}، ويعتمدون على الظن، {إن هم إلا يظنون}. والإشارة إلى الظن قد تعني وجود معارف وأفكار وآراء ونظريات وشبهات، يرتكز عليها هؤلاء الدهريون المُنكرون لوجود الخالق وعالم الغيب، لكنها معارف ظنية، والظن كما هو معلوم يدل على التردّد بين الوجود وعدمه، والشك وعدم اليقين.. إلخ، لذلك يؤكد القرآن على حقيقة {إنّ الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: الآية 36].

وظاهرة الإلحاد التي واجهها الأنبياء ودعاة الإيمان عبر العصور، لا تفتأ تتجدّد كُل حين، ومع ظهور الحضارة الغربية وما حققه العلم فيها من اكتشافات مذهلة، جعلت ظاهرة الإلحاد تُطلُّ برأسها من جديد، على يد بعض علماء الطبيعة والفلاسفة الماديين، الذين سينطلقون من بعض النظريات والفرضيات العلمية للترويج للإلحاد ومُعاداة الإيمان بالله والأديان..

وكما وجد من رد على ملاحدة الأزمنة السابقة، فقد تصدّى عددٌ من العلماء والمفكرين لملاحدة هذا العصر، فناقشوا أدلتهم، وفنّدُوا شبهاتهم، بالعقل والعلم أيضًا، وكشفوا تهافت نظرياتهم وما يرتكزون عليه من ظنون لإثبات الإلحاد..

من هنا يأتي هذا الكتاب «وهم الإلحاد»، لمؤلفه الباحث المصري الدكتور عمرو شريف، كمساهمةٍ في الرّد على شبهات الملحدين، وللوقوف في وجه موجة الإلحاد، التي بدأت تجتاح بعض الأوساط الفكرية والشبابية، في عالمنا العربي والإسلامي، نتيجة الغزو الثقافي والعولمة، والحرب الناعمة، التي يشنُّها الغرب على الأديان بشكل عام، على الإسلام على وجه الخصوص.. (ص 9).

وهم الإلحاد : بيت العنكبوت!!

هذا الكتاب يُقرأ – فعلًا – من عنوانه، واختيار المؤلف لكلمة “وهم” لوصف الآراء والنظريات، التي يرتكز عليها الملاحدة لإنكار وجود الخالق والبعث وعالم الغيب بشكل عام، هذا الاختيار لا يخلو من دلالة ذكية، وإشاراتٍ عميقة الأثر، فالوهم هو شكلٌ من أشكال التشوّه الحسي، أو تفسيرٌ سيّئٌ أو خاطئٌ للحوادث والوقائع الموضوعية، يُؤدِّي حتمًا إلى فساد التصور والاعتقاد!؟

وهذا بالفعل واقع الإلحاد المعاصر، حيث يُعاني دعاته من اضطراب وتشويش في الرؤية، وتناقضٍ منهجيٍ في قراءة وتحليل نتائج البحث العلمي وفرضياته ومُكتشفاته..

وإذا كان العنوان يُقدم للقارىء حكمًا مسبقًا على ظاهرة الإلحاد بموصفها وهمًا، فإنّ ما يُميز هذا الكتاب، هو إحاطته بمجمل النظريات (الشّبهات) المعاصرة، التي يرتكز عليها الملاحدة اليوم، في محاولة منه للرّد عليها، بمنهجية علمية – موضوعية، جعلته يصل في نهاية المطاف إلى الحُكم عليها بأنها مجرد أوهام، أوهنُ في نسيجها من بيت العنكبوت!؟

فما هي أهم هذه النظريات أو الشبهات؟ وكيف ناقشها ورد عليها المؤلف؟

أولا : وهم التناقض بين الدين والعلم

يُحاول الملاحدة اليوم إثبات هذا التناقض والاختلاف، للتأكيد على بُعدِ الأديان عن الحقائق العلمية، والادعاء أنّ المعتقدات الدينية هي محضُ أساطير وخرافات، وادعاءاتٌ لا تقف في وجه البحث العلمي وحقائقه التجريبية.. وقد ردّ الكاتب على هذه المغالطات بتساؤلات مهمة، كشف من خلالها تهافت هذه الادعاءات..

ما هي الحقائق العلمية الثابتة التي تختلف مع المعتقدات الدينية؟

نعم، إذا كان المقصود بالدين ما يحتضنه التراث الفكري الديني، اليهودي والمسيحي، وتراث عدد من الأديان الوضعية، من خرافات وأساطير، أو موقف الكنسية في القرون الوسطى المعادي للعلم، فإنّ هذه الادعاءات لها ما يُبرِّرها على أرض الواقع..

أما تعميم ذلك الحُكم على جميع الأديان، فهذا غير صحيح، فهذا هو «الإسلام” يدعو المؤمنين به إلى التفكر وإعمال العقل والبحث والنظر في الكون والأنفس: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} [العنكبوت: الآية 20]، بل يعتبر التفكر عبادةً كذكر الله: {الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: الآية 191].

وفي تاريخ الحضارة الإسلامية، لم يُقتل أو يُعذّب عالِمٌ لاكتشافه قوانين الطبيعة، بل كان العلم مزدهرًا في جميع فروعه. أما إذا وُجد تناقضٌ ظاهرٌ أو اختلافٌ بين العلم والدين، فلن يكون بين حقائق العلم الثابتة وثوابت الدين، وإنّما قد يقع الاختلاف بين بعض النظريات العلمية أو الفرضيات الظنية، وبعض المعلومات الواردة في التراث الديني، التي قد تكون هي الأخرى ظنيةً من حيث مصدرها أو فهمها وتفسيرها!!

من جهةٍ أخرى، كيف يُفسر الملاحدة أنّ النسبة الكبرى من العلماء والفلاسفة – عبر التاريخ وإلى الآن – هم من المؤمنين بالله وبالغيب، وأنّ الملاحدة في صفوف العلماء والباحثين هم شِرذمةٌ قليلون!؟ وبالتالي، فادِّعاء تناقض العلم مع الدين، أو أنّ العلم ينفي وجود الخالق وعالم الغيب، من أشدِّ أوهام الملاحدة مُخالفةً للعلم والواقع.. (ص 57-58).

ثانيًا : الانفجار الكوني الكبير ووهم الاستغناء عن الخالق

من أهمِّ ما اتّفق عليه العلماء في الغرب اليوم، وعلى رأسهم ستيفن هوكينغ الفيزيائي المشهور، أنّ العالم ليس أزليًا بل حادثًا، له بداية وهو في تمددٍ مستمر (ص 59). وأنّ البداية كانت مع الانفجار العظيم، لما أطلقوا عليه اسم “المفردة Singularity”، ومن هذا الانفجار تكوَّنت المجرات والكواكب والأرض، وبدأ الزمان..

لكن اختلفوا في الإجابة على أسئلةٍ مهمة، ما مصدر هذه “المفردة” التي ظهرت من العدم؟ ولماذا انفجرت في تلك اللحظة التي انفجرت فيها؟ وما مصدرُ قوانين الطبيعة التي وجَّهت نشأة الكون؟

ستيفن هوكينغ مثلًا يرى أنه «طالما أنّ للكون بدايةً، فإنّ دور الخالق واضح..»، لكن إذا كان الكون مكتفيًا بنفسه بشكل كامل، وليس له حدود أو حواف، بدون بداية أو نهاية، فإنّ الإجابة تبدو غير واضحة، فما هو دور الخالق؟

وهنا تظهر المغالطة، حيث الاتفاق في المقدمات (للكون بداية)، ويقعُ الاختلاف في النتائج أو الفرضيات الجديدة، التي تحاول تفسير هذا الضبط الدقيق في نشأة الحياة والغائية الواضحة في جميع تفاصيله، حيث افترض هوكينغ وغيره، وجود قانون الجاذبية وقوانين أخرى، التي جعلت الكون يخلقُ نفسه بنفسه، وهنا يُطرح السؤال الذي لا إجابة علمية أو منطقية عليه، كيف تُوجد قوانين سابقةٌ على الكون؟! وكيف نُفسر الغائية التي تحكم الكون؟ ومن وضع هذه القوانين الصارمة والدقيقة؟

وهذا التساؤل كان القرآن الكريم قد طرحه من قبل، بقوله: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: الآية 35]، {إن ربكم هو الخلاق العليم} [الحجر: الآية 86].  

فلا عبث ولا صُدفة ولا عشوائية، {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} [الدخان: الآية 38]، {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: الآية 19].

وإذا قال الملاحدة «إنها الصُّدفة»، نقول لهم: عندما تتكرر الصدفة بلايين المرّات، أَلا تُصبح قانونًا وسُنّةً، وراءها غاية وهدف، وخالق مُدبر حكيم وضعها!!.

كُل ذلك، ونحن نتحدث عن «نظرية» الانفجار العظيم، أو الكبير، «نظرية»، وليس حقيقةً مطلقةً مُجمعٌ عليها، فلا أحد يعلم علم اليقين كيف بدأ الخلق ومتى؟ والقرآن الكريم يُشير إلى ذلك قائلًا: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} [الكهف: الآية51].  

ثالثا : تطور عشوائي أم خلق في أحسن تقويم؟

بعد قرون عن ظهور نظرية التطور، على يد العالم البريطاني الشهير دارون، فإن هذه النظرية التي لم تَرْقَ إلى مصاف الحقيقة العلمية المطلقة، تُعاني من أزمة. وأنصارها عاجزون عن الإجابة على عشرات الأسئلة المطروحة على أركانها الثلاثة: الأسلاف المشتركة للكائنات، الطفرة العشوائية، والانتخاب أو الانتقاء الطبيعي، لأنّ مليار طفرةٍ عشوائيةٍ إذا كان بمقدورها أن تُوجد لنا إنسانًا «ذكرًا» من خلية واحدة، يساعدها قانون الانتخاب الطبيعي، فكم نحتاج من مليار طفرةٍ أخرى لإيجاد إنسانٍ “أنثى”؟

وكيف اتّخذت هذه الطفرة العشوائية مسارًا غائيًا في صالح الكائنات الحية على الأرض بشكل عام؟ وفي صالح الإنسان على وجه الخصوص؟

الجوابُ المنطقي والعقلاني الوحيد، هو ما نجده في القرآن واضحًا عندما يتحدث عن الإنسان (آدم)، الذي خُلق في أحسن تقويم، ليكون خليفةً لله في الأرض، وقد سخّر له ما فيها ليُحقق أهداف هذا الاستخلاف وغاياته..

الخلق: {ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: الآية 4].

الاستخلاف: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: الآية 30].

التسخير: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: الآية 13].

ضريبة وهم الإلحاد

وهكذا يمضي الدكتور عمرو شريف في مناقشة أوهام المُلحدين، هادمًا صروح الإلحاد، المُؤسسة على أوهام، كالسراب بقيعة، يحسبها الضمآن ماءً..!! ينقض أوهام الملاحدة وهمًا وهمًا.. فالإيمان الديني الصحيح والنقي ليس أعمى، بل هو الهداية عينها، طمأنينة النفس وسكينة الروح ونعيمها في الدنيا والآخرة.. والعلم والبحث العلمي، الذي ادُّعِيَ أنه سيكشف قوانين الوجود جميعها، وسيقدم للبشرية الحقيقة المطلقة بعيدةً عن الأديان، هذا العلم يتخبط  اليوم وبعد خمسة قرون في نظريات ينقضُ بعضها بعضًا، ولم يتمكن «كهنةُ كنيسةِ العلم» من تقديم رؤيةٍ واضحةٍ أو متكاملةٍ عن الكون والإنسان!!

وها هي الحداثة وما بعدها قد انتهت باعتناق نسبيةٍ غامضة، فاقدةٍ للمعنى والهدف، ضاع معها العقل البشري في تفاصيل الجزئيات، وكهوف الرغبات والشهوات الحيوانية!!

وإذا كان الدين خطيراً، كما يدّعي الملاحدة اليوم، لأنه يؤدي إلى العنف والحروب، فالعلمانية المادية اليوم والرأسمالية المتوحشة هي من يصنع الحروب، ويدمر الحياة على هذا الكوكب الصغير، بالتلوث والاستغلال المُفرط  لثرواته الطبيعة..!!

وأخيرًا، إذا كان الإلحاد وأهله قد تسبّبوا في إبادة وقتل الملايين من البشر، لفرضه بالقوة على المؤمنين (ص 114)، فإنّ المؤمنين وعلماء الإيمان على وجه الخصوص مُطالبون بفتح حوار مع هؤلاء الملاحدة، لمواجهة ظاهرة الإلحاد التي تجتاح بعض مناطقنا.. بقوة المنطق والحوار، وتقديم الأدلة والبراهين العقلية والعلمية. والتصدي لتحريف الأديان الإلهية، وقيمها السمحة والمتعالية، من طرف بعض السُّذجِ من أتباعها، أو استغلالها من طرف رجال السياسة والسلطة..!!